الشيخ رفاعه رافع الطهطاوى
مقدمة 25
نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز
إيجاز المرويات المختلفة التي يعيد المقريزي صياغتها بلغته هو ، مقدما - في ثنايا سرده - بعض المرويات المسندة إلى قائليها الأوّل ، ومستشهدا بالقليل من أشعار الوقائع ، ( 12 ) ، ولعل قيام كتاب المقريزي على لغة مؤلفه في الصياغة جعل منه متنا مختلفا عن متون النمو الأوّل التي كانت تنظيما لمجموعات من الأخبار ذات الأسانيد . إن متن السيرة النبوية في كتابات النمطين السابقين يشكل نصا سرديا يقوم على تتابع عدد من الواحدات السردية الكبرى التي تصور حياة النبي ( ص ) ، وإذا كانت كل واحدة سردية كبرى تقدم مرحلة مهمة ودالة من حياة شخصية النبي ( ص ) فإن الواحدة السردية الكبرى يمكن أن توصف بأنها مقطع سردى طويل يبدأ من نقطة زمنية محددة وينتهى عند نقطة زمنية محددة ، وتحمل كل نقطة منهما قيمة دالة في حياة الشخصية ، وما بين نقطة البداية ونقطة النهاية يتشكل امتداد زمنى تملؤه عناصر سردية متنوعة كالوقائع والأخبار والأحداث وغيرها . وإذا كانت كل واحدة كبرى تشكل ( سلسلة من الأفعال المتعاقبة ) ( 13 ) فإن الراوي لا يكتفى بتقديم تلك السلسلة عبر مسار زمنى صاعد ، وإنما يستطيع دائما أن يكسر ذلك المسار بالعودة المطولة إلى الماضي أو ماضي الماضي أحيانا - ولا سيما لتأصيل نسب الشخصية - أو تقديم نبوات بمصائر بعض الشخصيات - ولا سيما أعداء البطل - أو الاستطراد نحو كثير من التفريعات السردية التي تضعف - أحيانا - من ظهور المسار الزمنى الأساسي للوقائع . وتشكل بعض الوقائع في السيرة النبوية ما يمكن أن يسمى واحدة سردية وسطى إذ تقع - من ناحية - في مدى زمنى أقل من المدى الّذي تستغرقه وقائع الواحدة السردية الكبرى ، كما تقوم - من ناحية ثانية - على نواة صراع مباشر يحدد للراوي طريقة معينة في سرد الوقائع وتنظيمها وصياغة التفاصيل ، مما يجعل السرد أدنى إلى التركيز على خيوط متوالية زمنيا ، ومتوالدة سببيا . وتمثل الغزوات الكبرى نماذج دالة لتلك الواحدات السردية الوسطى ، ولعل هذا " التميز " الّذي تتصف به واحدات المغازي هو الّذي جعل عبد الله إبراهيم يصفها بأنها قد جاءت - في سيرة ابن إسحاق ( بشكل واحدات شبه قصصية ) ( 14 ) ، بينما وصف عبد